صديق الحسيني القنوجي البخاري
124
أبجد العلوم
مواضعه واستخراجه من معادنه بقوة نفسه الشريفة وعلو همته المنيفة ، فداخل ملوك الروم وسألهم وصلة ما لديهم من كتب الفلاسفة ، فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون ، وأرسطو ، وبقراط ، وجالينوس ، وأقليدس ، وبطليموس وغيرهم ، وأحضر لها مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن ، ثم كلف الناس قراءتها ورغبهم في تعلمها ، إذ المقصود من المنع هو إحكام قواعد الإسلام ورسوخ عقائد الأنام ، وقد حصل وانقضى ، على أن أكثرها مما لا تعلق له بالديانات . فنفقت له سوق العلم وقامت دولة الحكمة في عصره وكذلك سائر الفنون ، فأتقن جماعة من ذوي الفهم في أيامه كثيرا من الفلسفة ، ومهدوا أصول الأدب ، وبينوا منهاج الطلب ، ثم أخذ الناس يزهدون في العلم ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن تارة وجمع الشمل أخرى إلى أن كاد يرتفع جملة . وكذا شأن سائر الصنائع والدول فإنها تبتدئ قليلا قليلا ، ولا يزال يزيد حتى يصل إلى غاية هي منتهاه ، ثم يعود إلى النقصان فيؤول أمره إلى الغيبة في مهاد النسيان . والحق أن أعظم الأسباب في رواج العلم وكساده هو رغبة الملوك في كل عصر وعدم رغبتهم . فإنا للّه وإنا إليه راجعون . * * * الفصل الرابع في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا . وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي ، لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن ، وبين من هو مبتدئ فيه ، وبين العامي الذي لم يحصل علما ، وبين العالم النحرير . والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما ، فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي . والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب ، والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم ، ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل ، ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه ، فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها ، فدل على أن ذلك الاصطلاح